عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
30
معارج التفكر ودقائق التدبر
في هذه الآية دلالة على أنّ الشّرّ إنّما يأتي ممّا خلق اللّه وأعطاه في كونه التمكين والتّسخير . أمّا اللّه عزّ وجلّ فالشّرّ الحقيقيّ لا ينسب إليه ، ولا يصدر عنه ، وما يراه النّاس من مقادير المصائب والآلام الّتي يسمّونها شرّا ، هو في حقيقة أمره ليس شرّا ، إنّما هو للامتحان ، أو التربية ، أو العقوبة ، وهذه جميعها تشملها الحكمة ، والأمر الحكيم لا يكون شرّا على الحقيقة ، إنّه قد يسمّى ضرّا أو مصيبة أو ألما ، لكن قد يكون وسيلة لخير عظيم . إنّ كلمتي : « الخير والشّر » ذواتا دلالتين بحسب رؤى الناس القاصرة ، المقيّدة بحدود إحساساتهم الضعيفة الكليلة ، وبحدود تفكيرهم في عاجل من الحياة الدنيا . وذواتا دلالتين أخريين بحسب الحقيقة الّتي يحيط بها علم اللّه الشامل للظاهر والباطن ، والماضي والحاضر والمستقبل ، في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، فما هو خير في الحقيقة المطلقة للإنسان ، قد يراه الإنسان شرّا فيكرهه ، وما هو شرّ في الحقيقة المطلقة له قد يراه خيرا فيحبّه ، فيدعو ربّه أن يحقّقه له ، وقد نبّه اللّه على هذا بقوله عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ( 11 ) وكلمة « ما » من قول اللّه عزّ وجلّ : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) اسم موصول يقع على غير العاقل وعلى العاقل معه من باب التغليب ، وهو من ألفاظ العموم ، فيشمل جميع ما خلق ربّ الفلق . والمضاف إلى العامّ يكتسب العموم منه ، فالاستعاذة بربّ الفلق من شرّ ما خلق تشمل كلّ شرّ قد يأتي به أيّ شيء ، من كلّ ما خلق ربّ الفلق . * قول اللّه عزّ وجلّ : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 )